الطبراني
59
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
[ أنشدك اللّه يا مالك بالّذي أنزل التّوراة على موسى عليه السّلام ؛ أتجد فيها أنّ اللّه يبغض الحبر السّمين ؟ ] قال : نعم . قال : [ فأنت الحبر السّمين ، وقد سمّنتك مأكلتك الّتي تطعمك اليهود ، ولست تصوم - أي ولست تمسك - ] فضحك به بعض القوم ، فغضب مالك ، وكان حبرا سمينا ، ثمّ التفت إلى عمر رضي اللّه عنه وقال : ما أنزل اللّه على بشر من شيء . فأنزل اللّه هذه الآية ) « 1 » . وقال السّدّيّ : ( نزلت في فنحاص بن زوراء ؛ وهو قائل هذه المقالة ) . وقال محمد بن كعب : ( جاء ناس من اليهود إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ وهو محتب « 2 » ، فقالوا : يا أبا القاسم ، ألا تأتينا بكتاب من عند اللّه ، كما جاء به موسى من عند اللّه ؟ فأنزل اللّه تعالى : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ « 3 » . فقال رجل من اليهود : ما أنزل اللّه عليك ، ولا على موسى ، ولا على عيسى ، ولا على أحد شيئا . فأنزل اللّه هذه الآية ) « 4 » . ومعناها : ما عظّموا اللّه حقّ عظمته ، ولا عرفوه حقّ معرفته إذ جحدوا فقالوا : ما أنزل اللّه على بشر من شيء ؛ أي من كتاب ولا وحي ، قُلْ ؛ لهم يا محمّد : مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى ؛ يعني التوراة ؛ نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ ؛ أي ضياء للناس وبيانا لهم من الضّلالة ، تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ ؛ يكتبونه صحائف ، تُبْدُونَها ؛ يظهرون ما فيها مما ليس فيه صفة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وزمانه ومبعثه ونبوّته ، وَتُخْفُونَ كَثِيراً ؛ أي يسترون ما فيه صفة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وبعثه وآية الرّجم . وقوله تعالى : وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ ؛ يحتمل أن يكون خطابا للمسلمين ، أي علّمتم أنتم أيّها المؤمنون من الأحكام والحدود ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم . والأظهر : أنه خطاب لليهود ؛ لأنه مسوق على ما سبق ، معناه :
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الحديث ( 10544 ) . ( 2 ) الحبوة والحبوة - بالضم - لغتان : ضمّ الساق إلى البطن بثوب . ( 3 ) النساء / 153 . ( 4 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الحديث ( 10547 ) .